مجمع البحوث الاسلامية

439

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

رجل لا يحفظ اسمه : إنّ المراد بالبرهان هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . وروي ذلك عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما ، وعبّر عنه عليه الصّلاة والسّلام بذلك لما معه من المعجزات الّتي تشهد بصدقه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم . وقيل : المراد بذلك : دين الحقّ الّذي جاء به النّبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم . والتّنوين للتّفخيم ، و ( من ) لابتداء الغاية مجازا ، وهي متعلّقة ب ( جاء ) أو بمحذوف وقع صفة مشرفة ل ( برهان ) مؤكّدة لما أفاده التّنوين . وجوّز أن تكون تبعيضيّة بحذف المضاف ، أي كائن من براهين ربّكم ، والتّعرّض لعنوان الرّبوبيّة مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ، لإظهار اللّطف بهم ، والإيذان بأنّ مجيء ذلك لتربيتهم وتكميلهم . ( 6 : 42 ) رشيد رضا : أي قد جاءكم من قبل ربّكم - بفضله وعنايته بتربيتكم وتزكية نفوسكم - برهان عظيم أو جليّ يبيّن لكم حقيقة الإيمان الصّحيح باللّه عزّ وجلّ ، وجميع ما تحتاجون إليه من أمر دينكم ، مؤيّدا لكم ذلك بالدّلائل والبّينات والحكم ، وهو محمّد النّبيّ العربيّ الأمّيّ ، الّذي يظهر لكلّ من عرف سيرته في نشأته وتربيته ، وحاله في بعثته وسنّته . أنّه هو نفسه برهان على حقّيّة ما جاء به ، أمّيّ لم يتعلّم شيئا من الكتب قطّ ، ولم يعن في طفوليّته ولا في شبابه بشيء ممّا كان يسمّى علما عند قومه الأمّيّين ، كالشّعر والنّسب وأيّام العرب . قام في كهولته يعلّم الأمّيّين والمتعلّمين حقائق العلوم الإلهيّة ، وصفات الرّبوبيّة ، وما يجب لتلك الذّات العليّة ، وما تتزكّى به النّفس البشريّة ، وتصلح به الحياة الاجتماعيّة . ويكشف ما اشتبه على أهل الكتاب من أصول دينهم ، وما اضطرب فيه نظّار الفلسفة العليا من مسائل فلسفتهم ، ويرفع قواعد الإيمان على أساس الحجج الكونيّة العقليّة ، ويسلك هذا المسلك في بيان الشّرائع العمليّة ، والحكمة الأدبيّة ، والسّياسة الحربيّة والاجتماعيّة ، كلّ ذلك كان على طريق الحجّة والبرهان ، فلا غرو أن يسمّى هو نفسه برهانا . وهو برهان بسيرته العمليّة ، كما أنّه برهان في دعوته العلميّة الشّرعيّة ، فقد نشأ يتيما لم يعن بتربيته عالم ولا حكيم ولا سياسيّ ، بل ترك كما كان ولدان المشركين يتركون وشأنهم ، وكان في سنّ التّعليم وتكوّن الأخلاق والملكات يرعى الغنم نهارا وينام من أوّل اللّيل ، فلا يحضر سمّار قومه ( مواضع السّمر في اللّيل ) ولا معاهد لهوهم ، واتّجر قليلا في شبابه مع قومه من أبناء الجاهليّة وأترابه . فهو لم يصادف من التّربية المنزليّة والتّأديب الاجتماعيّ في أوّل نشأته ، ما يؤهّله للمنصب الّذي تصدّى له في كهولته ، وهو تربية الأمم تربية دينيّة اجتماعيّة سياسية حربيّة ، ولكنّه قام بهذه التّربية أكمل قيام ، وما زال يعجز عن مثل ما قام به من يستعدّون له بالعلوم والأعمال ، فكان بهذا « برهانا » على عناية اللّه به ، وتأييده إيّاه بوحيه وتوفيقه . ( 6 : 98 ) عبد الكريم الخطيب : بعد أن كشف اللّه سبحانه وتعالى ما عليه أهل الكتاب من عمى وضلال ، ومن غلوّ